مع الشعبية العالمية لألعاب الجوال، يتطلع مطورو الألعاب بشكل متزايد إلى اقتحام أسواق جديدة. ويُعدّ العالم العربي هدفًا جذابًا بشكل خاص لأسباب عديدة: فهو يضم شريحة سكانية كبيرة من الشباب، وكثير منهم من عشاق الألعاب؛ وهو قطاع لم تستغله شركات الألعاب العالمية إلى حد كبير؛ وهناك إقبال متزايد على ألعاب الجوال في المنطقة. ومع ذلك، قبل إطلاق أي لعبة في العالم العربي، يجب على المطورين إدراك تحديات التوطين والتحديث الثقافي. ستقدم هذه المدونة لمحة عامة عن سوق ألعاب الجوال في العالم العربي، وأهمية التوطين والتحديث الثقافي لهذه السوق، وبعض أفضل الممارسات لإطلاق الألعاب بنجاح في المنطقة.
سوق ألعاب الجوال في العالم العربي
بلغ سوق ألعاب الفيديو في الشرق الأوسط وأفريقيا ملياري دولار أمريكي عام ٢٠٢١، ومن المتوقع أن يصل إلى ٥ مليارات دولار أمريكي بحلول عام ٢٠٢٥. ومع وجود حوالي ١٠٠ مليون مستخدم في المنطقة، تتصدر ألعاب الهاتف المحمول السوق بنمو يُقدر بنسبة ٢٥٪. وبفضل هذه الزيادة، تُتاح للحكومات والقطاع الخاص فرصٌ للاستفادة من هذا النوع من الترفيه.
يُعزى هذا النمو إلى عوامل عدة، منها جيل الشباب المُلِمّ بالتكنولوجيا، وزيادة الدخل المتاح، وتوافر الهواتف الذكية وباقات البيانات بأسعار معقولة. وللاستفادة من هذه السوق المتنامية، يتعين على المطورين ضمان توطين ألعابهم بما يتناسب مع السوق العربية.
لا يقتصر هذا على ترجمة اللعبة إلى اللغة العربية فحسب، بل يشمل أيضًا إضفاء طابع ثقافي عليها لضمان تفاعلها مع اللاعبين العرب. من أهم الاعتبارات المتعلقة بالتوطين والإضفاء طابعًا ثقافيًا: - ضمان ملاءمة اللعبة للجمهور العربي من حيث المحتوى والموضوع؛ - استخدام التعليقات الصوتية و/أو الترجمة العربية؛ - دمج إشارات الثقافة الشعبية العربية؛ - استخدام الخطوط والرسومات العربية؛ - دعم الكتابة من اليمين إلى اليسار؛ - ضمان توافق اللعبة مع الأجهزة وأنظمة التشغيل العربية؛ - توفير دعم فني باللغة العربية؛ - إلخ.
لماذا توطين الألعاب المحمولة للسوق العربية؟
هناك العديد من الأسباب لتوطين ألعاب الجوال للسوق العربية، منها الاستفادة من سوق متنامية ومربحة، وجذب جمهور محلي، وتجنب أي سوء فهم ثقافي محتمل. يُعد العالم العربي سوقًا متنامية لألعاب الجوال..
سجل سوق ألعاب الفيديو في الشرق الأوسط وأفريقيا نموًا بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 19% خلال الفترة 2017-2021
.
يُعزى هذا النمو إلى زيادة انتشار الهواتف الذكية وتحسين الاتصال بالإنترنت. يوجد الآن حوالي 100 مليون لاعب نشط في العالم العربي، ومن المتوقع أن يستمر هذا العدد في النمو. يمكن أن يساعد توطين ألعاب الهاتف المحمول للسوق العربية المطورين على الاستفادة من هذه السوق المتنامية والوصول إلى لاعبين جدد. عندما يتم توطين الألعاب، يتم تكييفها لتناسب الثقافة والحساسيات المحلية بشكل أفضل. يمكن أن يجعلها هذا أكثر جاذبية وسهولة في الوصول إليها للجمهور المحلي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يساعد التوطين في تجنب سوء الفهم الثقافي المحتمل. على سبيل المثال، قد تكون بعض المفاهيم والصور الشائعة في الألعاب الغربية (مثل الخنازير أو الكحول) مسيئة للاعبين المسلمين. يمكن أن يساعد التوطين في ضمان مراعاة هذه الحساسيات واحترام الألعاب للثقافة المحلية.
التوطين مقابل التوطين الثقافي
عندما يتعلق الأمر بألعاب الجوال، هناك فرق كبير بين التوطين والإضفاء الثقافي. يشير التوطين ببساطة إلى عملية ترجمة لعبة إلى لغة أخرى. قد تكون هذه عملية مباشرة أو تتضمن التأكد من أن اللعبة تتناسب مع سياق الثقافة التي تُترجم إليها. أما الإضفاء الثقافي، فهو أكثر تعقيدًا. لا تقتصر هذه العملية على ترجمة اللعبة إلى لغة أخرى فحسب، بل تُكيّفها أيضًا لتناسب الثقافة المستهدفة بشكل أفضل. قد يشمل ذلك تغيير الشخصيات، والمكان، والقصة، وحتى أسلوب اللعب، لتتوافق بشكل أكبر مع ما هو شائع في السوق المستهدفة. على سبيل المثال، قد لا تكون لعبة غربية شائعة مناسبة في السوق العربية. قد تحتاج اللعبة إلى إضفاء طابع ثقافي عليها لجذب هذه السوق. قد يشمل ذلك تغيير المكان من أمريكا إلى الشرق الأوسط، أو تغيير الشخصيات لتكون أقرب إلى الشرق الأوسط العربي بدلًا من الغربي. هناك بعض الأمور الرئيسية التي يجب مراعاتها عند إضفاء طابع ثقافي على لعبة موجهة إلى السوق العربية:
يُعدّ التوطين والتكييف الثقافي عنصرين أساسيين في إطلاق لعبة جوال في السوق العربية. بفهم الفرق بينهما، يمكنك ضمان ملاءمة لعبتك لهذه السوق.
عملية التوطين
يمكن تقسيم عملية توطين ألعاب الهاتف المحمول إلى ثلاث مراحل: ما قبل الإنتاج، والإنتاج، وما بعد الإنتاج. مرحلة ما قبل الإنتاج هي المرحلة التي يتم فيها تكييف اللعبة مع السوق المستهدفة، مع مراعاة الحساسيات الثقافية والحواجز اللغوية وعوامل أخرى. يمكن أن يتخذ هذا التكيف أشكالًا متعددة، بدءًا من مجرد ترجمة نص اللعبة إلى تغييرات أكثر تعقيدًا، مثل إعادة تصميم عناصر اللعب لجذب الجمهور المستهدف. الإنتاج هو المرحلة التي يتم فيها توطين اللعبة، مما يعني ترجمة جميع نصوص اللعبة وأصولها و/أو تعديلها لتناسب السوق المستهدفة. يمكن أن تكون هذه العملية معقدة للغاية وتستغرق وقتًا طويلاً، حسب حجم اللعبة ونطاقها. مرحلة ما بعد الإنتاج هي المرحلة النهائية التي يتم فيها معالجة مشكلات التوطين، مثل الأخطاء أو المخالفات في الترجمة. يمكن أن تشمل هذه المرحلة أيضًا تسويق اللعبة للجمهور المستهدف لضمان علمهم بإصدارها.
عملية التثاقف
بعد ترجمة اللعبة إلى العربية، يجب إضفاء طابع ثقافي عليها ليناسب السوق العربية. تتضمن هذه العملية التأكد من ملاءمة اللعبة للثقافة المحلية، وتخصيصها بما يتناسب مع التفضيلات المحلية، وضمان استقبالها بشكل جيد من قبل الجمهور المستهدف. هناك عدة طرق مختلفة لإضفاء طابع ثقافي على لعبة جوال. أحد هذه الطرق هو العمل مع شريك محلي مطلع على السوق ويمكنه تقديم إرشادات حول ما يجب تغييره. خيار آخر هو استخدام البيانات والتحليلات لفهم كيفية تفاعل اللاعبين في السوق المستهدفة مع اللعبة، ثم إجراء تغييرات بناءً على هذه الرؤى. في كلتا الحالتين، الهدف هو إنشاء لعبة تبدو وكأنها مصممة للعرب، وليست مجرد مترجمة لهم. يمكن أن تشمل هذه العملية تغيير كل شيء، من الرسومات وأسلوب الرسم إلى الموسيقى التصويرية ومحتوى اللعبة. من المهم تحقيق التوازن بين إجراء تغييرات كافية لتكون ذات صلة، وعدم إجراء الكثير منها بحيث تبدو اللعبة غير مألوفة. التوطين لا يقتصر على مجرد الترجمة؛ إنه يتعلق بإنشاء لعبة تبدو وكأنها مصممة للعرب، وليست مجرد مترجمة لهم. يمكن أن تتضمن هذه العملية تغيير كل شيء بدءًا من الرسومات وأسلوب الفن وحتى الموسيقى التصويرية والمحتوى داخل اللعبة.
أفضل الممارسات لتوطين الألعاب المحمولة وثقافتها
عند توطين الألعاب المحمولة وإضفاء طابع ثقافي عليها للسوق الناطقة باللغة العربية، هناك بعض الممارسات الجيدة التي يجب وضعها في الاعتبار:
١. احترم العادات والثقافة المحلية: من المهم احترام العادات والثقافة المحلية عند تصميم ألعاب لسوق جديدة. يشمل ذلك تجنب اللغة أو الصور المسيئة، وتجنب أي مواضيع حساسة (مثل الدين أو السياسة).
٢. مراعاة المناخ المحلي: يتميز العالم العربي بتنوع مناخي كبير، يتراوح بين الصحراوي والاستوائي. عند تطوير ألعاب مخصصة لهذا السوق، من الضروري مراعاة المناخ وتأثيره على أسلوب اللعب. على سبيل المثال، قد لا تكون الألعاب الخارجية مناسبة للمناطق القاحلة.
٣. استخدم النص العربي: استخدم دائمًا النص العربي في واجهة اللعبة وقوائمها. هذا يضمن سهولة تنقل اللاعبين وفهمهم للعبة.
٤. ترجمة جميع محتويات اللعبة وتعليقها صوتيًا: ترجم جميع محتويات اللعبة إلى العربية، بما في ذلك الحوارات داخل اللعبة، والبرامج التعليمية، والقوائم، وأي نصوص أخرى.
٥. تابع الأحداث الجارية: بما أن العالم العربي في تغير مستمر، فمن الضروري مواكبة الأحداث الجارية عند توطين ألعاب الجوال لهذا السوق. سيساعدك هذا على تجنب أي مواضيع حساسة محتملة، ويضمن أن تكون لعبتك مناسبة للاعبين.
مع استمرار نمو سوق ألعاب الجوال العالمية، تتزايد أهمية التوطين والتكييف الثقافي للألعاب الموجهة للعالم العربي. ورغم وجود تحديات كبيرة يجب التغلب عليها، مثل الحاجة إلى البحث الدقيق وفهم السوق المحلية، إلا أن المكاسب المحتملة كبيرة. فالألعاب التي تُعَبَّر وتُكيَّف بنجاح للسوق العربية يمكن أن تصل إلى جمهور واسع من اللاعبين المتعطشين لمحتوى يناسب حياتهم وثقافتهم. باتباع النهج الصحيح، يمكن لمطوري ألعاب الجوال الاستفادة من هذه السوق الواسعة والمربحة، وإنشاء ألعاب مسلية وحساسة ثقافيًا.